أبي منصور الماتريدي

580

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

اللَّهَ يَرى ، كأنه قال : أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ، أرأيت الذي ينهى من كان على الهدى ، أو أمر بالتقوى ، وهو رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان ينهاه ذلك الكافر إذا صلى ، وينهاه عن الهدى « 1 » ، وعن الأمر بالتقوى ، أرأيت الذي كذب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وتولى عن طاعة الله تعالى ، ألم يعلم بأن الله يرى ؟ ! يدخل جميع ما ذكر في هذا الوعيد ؛ فيكون [ ذلك ] « 2 » جوابا لما تقدم من قوله : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى . عَبْداً إِذا صَلَّى . . . إلى آخر ما ذكر . وجائز أن يكون جواب قوله : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى . عَبْداً إِذا صَلَّى مسكوتا عنه ؛ ترك للفهم . ثم قوله : أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ، أي : ألم يعلم بأن الله يرى ؛ فينتقم [ منه ] « 3 » لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم . أو : ألم « 4 » يعلم بأن الله يرى ؛ فيدفعه عما هم برسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فهو وعيد . ثم قوله : أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى يحتمل وجهين : أحدهما : قد علم بأن الله يرى جميع ما يقوله ، ويفعله ، ويهم به ، لكنه فعل ذلك على المكابرة والعناد . والثاني : أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى على نفي العلم له بذلك ؛ إذ لو علم بأن الله يرى ، ويعلم ما يفعله من النهي عن الصلاة والمكر به ، لكان لا يفعل ذلك به . وقوله - عزّ وجل - : كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ . ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ : أي : حقا لئن لم ينته عن صنيعه الذي يصنع برسول الله لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ، أي : لنأخذن بالناصية ؛ كأنه عبارة عن الأخذ الشديد ، والجر الشديد على الناصية . ثم يحتمل أن يكون ذلك الوعيد له في الدنيا : أنه لو لم ينته عما ذكر : فإن كان في الدنيا فتكون السفع « 5 » كناية عن العذاب ، أي : لنعذبن . وقيل : قد أخذ بناصيته يوم بدر ، فألقي بين يدي رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قتيلا . وإن كان في الآخرة ، فهو عن حقيقة أخذ الناصية ؛ كقوله : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا . . . [ الإسراء : 97 ] ، وقوله : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ . . . [ القمر : 48 ] .

--> ( 1 ) في ب : الهوى . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : لم . ( 5 ) في ب : الناصية .